ابن كثير
220
البداية والنهاية
يا معشر الناس أبدوا ذات أنفسكم * لا يستوي الصدق عند الله والكذب وقال الفرزدق : إن الخلافة لما أظعنت ظعنت * عن أهل يثرب إذ غير الهدى سلكوا صارت إلى أهلها منهم ووارثها * لما رأى الله في عثمان ما انتهكوا السافكي دمه ظلما ومعصية * أي دم لا هدوا من غيتهم سفكوا ] ( 1 ) وقال راعي الإبل النميري في ذلك : عشية يدخلون بغير إذن * على متوكل أوفى وطابا خليل محمد ووزير صدق * ورابع خير من وطئ الترابا فصل إن قال قائل كيف وقع قتل عثمان رضي الله عنه بالمدينة وفيها جماعة من كبار الصحابة رضي الله عنهم ؟ فجوابه من وجوه ( أحدها ) أن كثيرا منهم بل أكثرهم أو كلهم لم يكن يظن أنه يبلغ الامر إلى قتله ، فإن أولئك الأحزاب لم يكونوا يحاولون قتله عينا ، بل طلبوا منه أحد أمور ثلاثة ، إما أن يعزل نفسه ، أو يسلم إليهم مروان بن الحكم ، أو يقتلوه ، فكانوا يرجون أن يسلم إلى الناس مروان ، أو أن يعزل نفسه ويستريح من هذه الضائقة الشديدة . وأما القتل فما كان يظن أحد أنه يقع ، ولا أن هؤلاء يجترئون عليه إلى ما هذا حده ، حتى وقع ما وقع والله أعلم . - الثاني - أن الصحابة مانعوا دونه أشد الممانعة ، ولكن لما وقع التضييق الشديد ، عزم عثمان على الناس أن يكفوا أيديهم ويغمدوا أسلحتهم ففعلوا ، فتمكن أولئك مما أرادوا ، ومع هذا ما ظن أحد من الناس أنه يقتل بالكلية - الثالث - أن هؤلاء الخوارج لما اغتنموا غيبة كثير من أهل المدينة في أيام الحج ، ولم تقدم الجيوش من الآفاق للنصرة ، بل لما اقترب مجيئهم ، انتهزوا فرصتهم ، قبحهم الله ، وصنعوا ما صنعوا من الامر العظيم - الرابع - أن هؤلاء الخوارج كانوا قريبا من ألفي مقاتل من الابطال ، وربما لم يكن في أهل المدينة هذه العدة من المقاتلة ، لان الناس كانوا في الثغور وفي الأقاليم في كل جهة ، ومع هذا كان كثير من الصحابة اعتزل هذه الفتنة ولزموا بيوتهم ، ومن كان يحضر منهم المسجد لا يجئ إلا ومعه السيف ، يضعه على حبوته إذا احتبى ، والخوارج محدقون بدار عثمان رضي الله عنه ، وربما لو أرادوا صرفهم عن الدار لما أمكنهم ذلك ، ولكن كبار
--> ( 1 ) في هامش النسخة المطبوعة قال : زيادة من تاريخ البدر العيني نقلها في سياق عبارة ابن كثير . وأورد ابن عبد البر في الاستيعاب البيتان الأول والثاني ونسبهما إلى حميد بن ثور الهلالي .